محمد بن جرير الطبري

53

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الأصنام ، فيرزقونكم شيئا على عبادتكموها ، أو يضرونكم فيعاقبونكم على ترككم عبادتها بأن يسلبوكم أموالكم ، أو يهلكوكم إذا هلكتم وأولادكم قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ . وفي الكلام متروك استغني بدلالة ما ذكر عما ترك ، وذلك جوابهم إبراهيم عن مسألته إياهم : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ فكان جوابهم إياه : لا ، ما يسمعوننا إذا دعوناهم ، ولا ينفعوننا ولا يضرون ، يدل على أنهم بذلك أجابوه . قولهم : بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ وذلك رجوع عن مجحود ، كقول القائل : ما كان كذا بل كذا وكذا ، ومعنى قولهم : وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ وجدنا من قبلنا ولا يضرون ، يدل على أنهم بذلك أجابوه . قولهم من آبائنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها ، فنحن نفعل ذلك اقتداء بهم ، واتباعا لمنهاجهم . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . . . عَدُوٌّ لِي يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم لقومه : أفرأيتم أيها القوم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام أنتم وآباؤكم الأقدمون ، يعني بالأقدمين : الأقدمين من الذين كان إبراهيم يخاطبهم ، وهم الأولون قبلهم ممن كان على مثل ما كان عليه الذين كلمهم إبراهيم من عبادة الأصنام فإنهم عدو لي إلا رب العالمين . يقول قائل : وكيف يوصف الخشب والحديد والنحاس بعداوة ابن آدم ؟ فإن معنى ذلك : فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة ، كما قال جل ثناؤه وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا . وقوله : إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ نصبا على الاستثناء ، والعدو بمعنى الجمع ، ووحد لأنه أخرج مخرج المصدر ، مثل القعود والجلوس . ومعنى الكلام : أفرأيتم كل معبود لكم ولآبائكم ، فإني منه بريء لا أعبده ، إلا رب العالمين . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ يقول : فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ للصواب من القول والعمل ، ويسددني للرشاد . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ يقول : والذي يغذوني بالطعام والشراب ، ويرزقني الأرزاق . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ يقول : وإذا سقم جسمي واعتل ، فهو يبرئه ويعافيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ يقول : والذي يميتني إذا شاء ثم يحييني إذا أراد بعد مماتي . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ فربي هذا الذي بيده نفعي وضري ، وله القدرة والسلطان ، وله الدنيا والآخرة ، لا الذي لا يسمع إذا دعي ، ولا ينفع ولا يضر . وإنما كان هذا الكلام من إبراهيم احتجاجا على قومه ، في أنه لا تصلح الألوهة ، ولا ينبغي أن تكون العبودة إلا لمن يفعل هذه الأفعال ، لا لمن لا يطيق نفعا ولا ضرا . وقيل : إن إبراهيم صلوات الله عليه ، عني بقوله : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ والذي أرجو أن يغفر لي قولي : إِنِّي سَقِيمٌ وقوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا وقولي لسارة إنها أختي . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ قال : قوله : إِنِّي سَقِيمٌ وقوله فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا وقوله لسارة : إنها أختي ، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ قال : قوله إِنِّي سَقِيمٌ وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا وقوله لسارة : إنها أختي . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو تميلة ،